محمد بن جرير الطبري

32

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

والتمام منكم لله بما ألزمكم بها ، ولمن عاقدتموه منكم بما أوجبتموه له بها على أنفسكم ، ولا تنكثوها فتنقضوها بعد توكيدها . واختلف أهل التأويل في العقود التي أمر الله جل ثناؤه بالوفاء بها بهذه الآية أوفوا بالعقود ، بعد إجماع جميعهم على أن معنى العقود : العهود ؛ فقال بعضهم : هي العقود التي كان أهل الجاهلية عاقد بعضهم بعضا على النصرة والمؤازرة والمظاهرة على من حاول ظلمه أو بغاه سوءا ، وذلك هو معنى الحلف الذي كانوا يتعاقدونه بينهم . ذكر من قال : معنى العقود العهود : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يعني : بالعهود . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله جل وعز : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ قال : العهود . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا سفيان ، قال : ثنا ابن أبي سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد مثله . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبيد الله ، عن أبي جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، قال : جلسنا إلى مطرف بن الشخير وعنده رجل يحدثهم ، فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ قال : هي العهود . حدثنا المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ قال : العهود . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو خالد الأحمر ، عن جويبر ، عن الضحاك : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ قال : هي العهود . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بالعهود . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة في قوله : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ قال : بالعهود . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ قال : هي العهود . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : سمعت الثوري يقول : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ قال : بالعهود . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . قال أبو جعفر : والعقود : جمع عقد ، وأصل العقد : عقد الشيء بغيره ، وهو وصله به ، كما تعقد الحبل بالحبل : إذا وصل به شدا ، يقال منه : عقد فلان بينه وبين فلان عقدا فهو يعقده ، ومنه قول الحطيئة : قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم * شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا وذلك إذا واثقه على أمر ، وعاهده عليه عهدا بالوفاء له بما عاقده عليه ، من أمان وذمة ، ونصرة ، أو نكاح ، أو بيع ، أو شركة ، أو غير ذلك من العقود . ذكر من قال المعنى الذي ذكرنا عمن قاله في المراد من قوله : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أي بعقد الجاهلية . ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " أوفوا بعقد الجاهلية ، ولا تحدثوا عقدا في الإسلام " . وذكر لنا أن فرات بن حيان العجلي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الجاهلية ، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : " لعلك تسأل عن حلف لخم وتيم الله " فقال : نعم يا نبي الله ، قال : " لا يزيده الإسلام إلا شدة " حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : ثنا معمر ، عن قتادة : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ قال : عقود الجاهلية : الحلف . وقال آخرون : بل هي الحلف التي أخذ الله على عباده بالإيمان به وطاعته فيما أحل لهم وحرم عليهم أوفوا بالعقود . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : أخبرنا عبد الله ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يعني : ما أحل ، وما حرم ، وما فرض ، وما حد في القرآن كله ، فلا تغدروا ولا تنكثوا ؛ ثم شدد ذلك فقال : وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ إلى